الثلاثاء، يناير 27، 2009

فيصل .... تحرير: أيام الديسك والميكروباص


فيصل .... تحرير: أيام الديسك والميكروباص – حمدي عبد الرحيم – مكتبة مدبولي

يضم الكتاب يوميات المؤلف في النصف الأول من عام 2007، إذ يحكي عن عمله في ديسك ثلاث جرائد ( نهضة مصر، العالم اليوم، الكرامة) وذهابه وعودته من عمله مستقلاً ميكروباص خط فيصل تحرير. يبدأ الكتاب بتقديم، ثم تأريخ لصعود – دون هبوط- الميكروباص : عندما رفعت الحكومة يدها عن قطاع النقل ، تاركة خدمات النقل تنهار ليملأ القطاع الخاص -ممثلاً في الميكروباص - الفراغ الناتج . منذ ذلك اليوم الذي وقف فيه ميكروباص وحيد في ميدان التحرير ، يجمع في خجل – تلاشى سريعاً- الركاب، انتهاء بقضائه النهائي على المنافسين. يقدم المؤلف بعدها قائمة بالمصطلحات التي سيستخدمها لاحقاً في الكتاب، إذ يقدم قوائم بأنواع السائقين والركاب والديسكاوية. وهي مصطلحات ساخرة ، لكنها مضبوطة يكفي ذكرها لاحقًا لترى أمامك الشخص المذكور متجسدًا بكل صفاته. فمن السائق السني – بشرائط أبو إسحق واللحية والجلباب الأبيض- إلى المتطرف – الذي لا ترغب أبداً في الدخول في مشاجرة معه- إلى الدجاجي – وهو ليس جباناً كما قد يتبادر إلى الذهن، بل كالدجاج يجلب الخراء بقدميه- مروراً بالمعاشي والروش....إلخ، والركاب إما ذاهلون أو عاديون أو ثقلاء...إلخ.

يشرع المؤلف بعدها في قص يومياته الموزعة بين الديسك والميكروباص. الديسك " هو المطبخ الصحفي حيث يجري إعداد المواد الصحفية للنشر". يكشف المؤلف عن خبايا هذا المطبخ الصحفي، الذي أصبح العمل فيه يتجاوز إصلاح خطأ إملائي أو نحوي هنا وهناك، أو إعداد مقدمة موضوع، ليصل – في أحيان كثيرة- لإعادة بناء لركاكة ورثاثة مذهلة، بل وحتى فك رموز ما يكشف عن عجز الكاتب عن التعبير المنطقي عن الأفكار وما قد يقارب حدود الثغاء أو سلطة الكلمات. نقرأ عمن يعتقد أن العزوف معناه العزم، وأن بعض تعني بعد، ومن يتحدث عن شروط الالتحاق ب"السيرك" الدبلوماسي، ومن كتبت " كان المتهم يبكي فقال له الضابط هذا وتعود وقائع الجريمة إلى وكان فريق من الأمن بقيادة اللواء قد حاصر المتهم"....إلخ.

أما يوميات الميكروباص، فهي الجزء الأكثر جذباً والأكثر مسخرة! ستتذكر ربما تاكسي الخميسي ، حيث الكتاب محاولة – بورجوازية من كرسي الراكب، لكنها حقيقية - لفهم ذلك الكائن – سائق التاكسي- والاستماع إليه وتقديم حكايات عديدة عنه ، وبلسانه، في كتاب سهل وجذاب. أما كتاب عبد الرحيم ، فهو وصف لمن عايشهم المؤلف من ركاب وسائقين من فيصل إلى التحرير وبالعكس. فردية وسيلة مواصلات كالتاكسي، يقابلها الميكروباص كفضاء اجتماعي يتقاسمه مجموعة من البشر لفترة من الوقت. نرى في اليوميات أمثلة على الصراع على المجال العام، واختراق المجال الخاص، وتنوع القيم الحاكمة والمرجعيات التي يلجأ إليها الأشخاص لفض الخلاف أو لحسمه، والاختلافات في طرق التعامل والطباع بين الأشخاص – وفي أحيان أخرى بين الطبقات أو الأجيال- . نرى طيبة وبلطجة، وقاحة وتهذيباً، تضامنًا وسفالة.

يقدم الكتاب صورة لمصر من الميكروباص في 2007، مستخدمًا حكايات جذابة ومسلية ومضحكة أحياناً، وباعثة على التأمل أحياناً أخرى، يعجز أي أسلوب أدبي غير اليوميات عن تقديمها. وهكذا نقابل مشاجرات الركاب مع السائق الأرعن، أو حل الركاب لمشاكل زوجين متخاصمين، أو مشاركتهم في عزاء أو تطييب خاطر. نقابل وصلات السباب بين السائق والتباع، وصلات الرقص والغناء الخارج ، والكلام الفضائحي عن أدق التفاصيل الشخصية. نستمع إلى مناقشات سياسية ، وأخرى عن الكرة، وغيرها تبحث عن حل لمشكلة مصر. نتلصص أحيانًا على حوار شخصي.، وأحياناً نرسم صورة عن حياة راكب ، مكملين القدر القليل الذي وصلنا منها بينما يتحدث في هاتفه المحمول. نقابل من يتحدث بحكمة وليدة السنين، ومن رأسه في خواء الربع الخالي.

يقول المؤلف أن الجامع بين اختياره للديسك والميكروباص ليجعلهما محور يومياته هو العشوائية التي طبعتهما بطبعها، لكنني أرى أن الجامع الرئيسي بينهما هو أنهما يشغلان الجزء الأكبر من حياة المؤلف نفسه ، حياة مصري يناضل ليعيش في مصر 2007. يمضي المؤلف معظم ساعات يومه في عمل مرهق لا يحتمل – ككثير من المصريين- مع الديسك ومساخره و "مجعزاته" ، أو معذبًا بقراءة أخبار وتحقيقات مروعة عن مصر والفساد والتلوث والديكتاتورية – تدور الأحداث في مطلع 2007 ، حيث تم تعديل الدستور ليصبح في إمكان السلطات التعامل مع أي مواطن كإرهابي بلا حقوق- والبحث عن أمل حيث لا نقطة نور تبدو في الأفق، أو – ككثير من المصريين أيضًا- معذبًا في رحلة الذهاب إلى ذلك العمل والعودة منه. لكنه يتعزى بقراءة كتاب، أو بلقاء صديق، أو بانتقام صغير يدبره لمسؤول حكومي منافق، أوبموقف يثبت له أن "الدنيا لسه بخير"، أوبابتسامة طفل نائم في حضن والده.

وبالمثل، كان كتاب حمدي أحد عوامل التعزية.....على الأقل بالنسبة لي.

الخميس، يناير 22، 2009

الاختيار


جهاد عودةعبد المنعم سعيد
مجدي حسين


" حالة ثنائية مطلقة بين أصوليين وقوميين من جهة، ونيوليبراليين من جهة أخرى. لدينا موقفان مسنقطبان: موقف مبدئي متمسك بثوابت قومية ووطنية ودينية للعمل السياسي، لكنه إما غيبي أو ملتجئ إلى ثوابت فوق تاريخية لحماية الموقف ووقف التدهور، وموقف غير مبدئي قياسًا بمبادئ العدالة والإنصاف في القضايا الوطنية والاجتماعية والسياسية، ولكنه يطرح نفسه بشكل عقلاني."

عزمي بشارة - في المسألة العربية؛ مقدمة لبيان ديمقراطي عربي

الجمعة، سبتمبر 26، 2008

نص (نوعاً ما)

في مواجهة سؤال عدائي عن سبب اختياره لها بالذات
هز كتفيه وقال ما اعتبره إجابة واضحة: لأنها هي!

قوبل رده بالاستغراب والدهشة
-ممتزجين بالسخرية-
فاضطر للإيضاح
باذلاً مجهوداً ضخمًا
- ومستخدماً يديه كوسيلة شرح مساعدة-
لأنها
-قال-
هي!

لأنها عندما تحضر تنصرف فجأة كل الشياطين والعفاريت وأغلب كائنات عالم الهو السفلي -والأنا العليا أحياناً!-
ويحل الصمت على العالم.

ويحس بأنه يمكنه أن ينام بعينين مغمضتين، لأنها حتماً ستسهر لتحرسه.


ولأنها عندما حضرت
عاد- بعد طول غياب-
المذاق للطعام
والفتنة للعطور
والحنين للأغاني
والبهجة لعيون الاطفال
والغرور للقطط.

عادت الألوان للعالم، وأصبحت الأماكن أماكن.
وأمام العيون المغمضة ظهرت -أخيراً- الأحلام.
ولم تعد الدنيا أرضاً معادية.


توقف للحظة - ليرى وقع كلامه عليهم-
ثم أردف:

لأنه يحس أنها شريكته في ...
صمت باحثاً عن التعبير المناسب.
استبعد ألعاباً زوجية كالتنس الأرضي وتنس الطاولة
- وهو يتخيل نفسه يلهث بلياقة منعدمة-
وكاد أن يقول شريكة في جريمة قتل!
تقارب الرأسين، تبادل التفاصيل الصغيرة، السر الذي لا يعلمه أحد، ومصير مشترك.
لكن تحفزهم ، جعله يقول ببساطة:
شريكته في رحلة اسمها الحياة.

ثم قال ببطء:
ولأنني الآن عندما أفكر في الموت
-ولأول مرة!-
أصبح عندي سبب للحياة، أفاوض به رسل الميلانكوليا المعتادين.

باخت حماسته ، ولم يحب كل ذلك البوح بدخيلته
فأنهى كلامه بغمغمة - حاول أن يخفي الخجل بها-
قال أنه... اختصاراً يعني... يحبها...
وبطبعه المعهود، أعقب ذلك الإعلان بقوله.... نوعاً ما

السبت، سبتمبر 20، 2008

تواصل

عندما عاد أخيرًا لذلك البيت ، اكتشف أن الهاتف مفصول من القابس، وأن الصوت لم يكن يتردد في أي أرجاء، وأنه كان في الواقع يتواصل مع جهاز الكتروني ما في سنترال...

الجمعة، أغسطس 08، 2008

حنين


يمسك بالموبايل، ويطلب رقم البيت البعيد. يستمع إلى الجرس الرتيب. يغمض عينيه ويتخيل الهاتف يرن في البيت المظلم المهجور. يتخيل الصوت ينتشر في أرجاء البيت التي حفظها وأحبها. يرى ويسمع ويشم للحظات. يغلق الموبايل ويواصل العمل.

الجمعة، يوليو 04، 2008

عبد الوهاب المسيري

ينهي عبد الوهاب المسيري كتابه "رحلتي الفكرية: في البذور والجذور والثمار" بقصة فنان مدينة كورو التي يهديها لجمال حمدان و" لكل فنان أو مفكر يتفاني في عمله ويُستوعب فيه حتى ينسى تمامًا الزمان والمكان والطبيعة/المادة، ليبدع عملاً فنياً جميلاً. خامته مستقاة من الطبيعة ، ولكنه في تناسقه وتركيبيته وجماله يقف شاهدًا على قوة النفس البشرية ومقدرتها على التجاوز، والقصة من كتاب ديفيد ثورو وولدن"، ولا يمكنني الآن إلا أن أهدي نفس القصة إليه:


كان هناك فنان يعيش في مدينة كورو ، دائب المحاولة للوصول إلى الكمال. وذات مرة تراءى له ان يصنع عصا. وقد توصل هذا الفنان إلى أن الزمان عنصر مكون للعمل الفني الذي لم يصل بعد إلى الكمال ، أما العمل الكامل فلا يدخله الزمان أبداً.فقال لنفسه: سيكون عملي كاملاً من جميع النواحي، حتى لو استلزم الأمر ألا أفعل شيئًا آخر في حياتي.

فذهب في التو إلى غابة باحثاً عن قطعة من الخشب ، لأن عمله الفني لا يمكن أن يصنع من مادة غير ملائمة. وبينما كان يبحث عن قطعة من الخشب ، ويستبعد العصاة تلو الأخرى، بدأ أصدقاؤه تدريجيًا فيا لتخلي عنه ، إذ نال منهم الهَرَم وقضَوا. أما هو، فلم يتقدم به العمر لحظة واحدة، فوفاؤه لغايته وإصراره وتقواه السامية أضفت عليه ، دون علمه، شبابًا أزليًا. ولأنه لم يهادن الزمن ، ابتعد الزمان عن طريقه ، ولم يسعه إلا أن يُطلق الزفرات عن بعد، لأنه لم يمكنه التغلب عليه. وقبل أن يجد الفنان العصا المناسبة من جميع النواحي ، أضحت مدينة كورو أطلالاً عتيقة، فجلس هو على أحد أكوامها لينزع لحاء العصا. وقبل أن يعطيها الشكل المناسب ، كانت أسرة كاندهار الحاكمة قد بلغت نهايتها ، فكتب اسم آخر أعضائها على الرمل بطرف العصا، ثم استأنف عمله بعد ذلك. ومع انتهائه من تنعيم العصا وصقلها لم يعد النجم كالبًا في الدب القطبي. وقبل أن يضع الحلقة المعدنية ( في طرف العصا لوقايتها) ، وقبل أن يُزَيّن رأسها بالاحجار الثمينة كانت آلاف السنين قد مرت. وكان براهما قد استيقظ وخلد إلى النوم عدة مرات.

وخينما وضع الفنان اللمسة الأخيرة على العصا، اعترته الدهشة حين تمددت العصا بغتة أمام ناظريه لتصبح أجمل المخلوقات طُرًا. لقد صنع نسقًا جديدًا بصنعه هذا العصا ، عالمًا نِسَبُه كاملة وجميلة، وقد زالت في أثناء صنعه مدن وأسَر قديمة، ولكن حلت محلها مدن وأسر أكثر جلالاً. وقد رأى الفنان الآن وقد تكومت عند قدميه أكوام النجارة التي سقطت لتوها راى أن مرور الوقت في السابق بالنسبة له ولعمله كان مجرد وهم، وأنه لم يمر من الوقت إلا القليل.

"كانت مادة عمله نقية صافية، وكان فنه نقيًا صافيًا ، فكيف كان يمكن للنتيجة ألا تكون رائعة؟"

رحم الله المسيري رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.